رأي

أقانيم الدين الإبراهيمي – 3

علي عبدالله

 

إن سؤال ( المعنى ) المتضَمٌّنِ في مُلغزات الوجود والحياة وما يكتنفهما من غموض وإبهام  ليس غير سؤال الفطرة الإنسانية ، وذلك السؤال ليس محصوراً في إطار. ( الوضع البشري ) ولا هو مرتهن لواقع ( هنا والآن ) ، لكنه مجاوز لكل حصار ومتمرد على كل ارتهان ، ولعله من أجل ذلك ظل عصياً على كل محاولات الاحتواء التي قام بها المفكر ن والفلاسفة والمتصوفة والعلماء ، وخصوصاً محاولات التوظيف من طرف صناع الأيديولجيات ومعتنقيها وممن يحاولون تسويغ ما يضاد الفطرة الإنسانية من نزوعات ظلامية وعدمية .

ولا يجاوز سؤل المعنى الوضع البشري إلْا باستيعاب ذلك الوضع واحتوائه ، ليغدو من ثمّ استشرافاً لأفق يسمو عليه ويتيح له إمكانيات التحرر من أسر راهنيته وكونه مجرد أمر واقع بليد وكسيح ، والانفكاك من أوهام أن ( ليس في الإمكان أبدع مما كان ) .

ولعلنا لا نجانب الصواب إذا ما قلنا إن سؤال المعنى الذي هو في بعض من َمعانيه نداء الفطرة الإنسانية وسؤالها الجوهري ، هو البذرة التي جاءت عنها ثقافة الإنسان وحضارته ، إذ من البيِّنِ أنه ماكان للثقافة أن تنشأ ولا للحضارة أن تقوم لو لم ينتبه بعض من الأفراد إلى ذلك النداء وينصتوا إلى ذلك السؤال ويحملوه على محمل الجد ، وينصرفوا إلى محاولة الإجابة عليه . وذلك ماكان من شأن الإنسان منذ البدايات الأولى لوجوده في هذا العالم ، وذلك ما نلمسه في فن كهوف َماقبل التاريخ وفي الآداب الميثالوجية عند أقدم المجتمعات والحضارات ونراه في متون الحكمة القديمة ومع بدايات الفلسفة وعلى امتداد تاريخها الذي هو أحد روافد تاريخ الثقافة الإنسانية ، وإذ لم ننس أننا نتحدث عن ( الأقنومية ) أو التثليث في البنى الكلية لبعض الأديان كاليهودية والمسيحية وأيضاً الإبراهيمية أو مايسمى الدين الإبراهيمي ، فإننا نلحظ نسقاً تثليثيا على بنى فلسفية شهيرة ، فالمكانة الخاصة التي تتسنمها مُثُلُ ( الحق والخير والجمال ) في عمارة أفلاطون الفلسفية تجعل من تلك المثل أقانيماً أشبه بأقانيم ( رب الجنود والشعب المختار وأرض الميعاد ) و بأقانيم ( الآب والإبن والروح القدس ) وليست الافلاطونية وحدها في ذلك ، وهل ( الواحد أو المبدأ الأول والعقل والنفس )  إلّا نسق اقنومي تتأسس عليه فلسفة أفلوطين ، وهو نسق يمكننا أن نلحطه في الحقول العلمية مثلما الأيديولوجية ، أي هيمنة وبروز بنى مثلثة تلك الحقول تقابل البنى الأقنومية للديانات الأسطورة والوضعية .

ونحن لن نفهم ذلك التشابه حق الفهم إذا ما اكتفينا بقول أنه نتيجة محاكاة ( ربما كانت لاشعورية ) يقع المفكرون تحت سيطرتها دون وعي منهم ، أو أنه سمة من سمات العقل والتفكير ،

إذ تبدو إمكانية فهم ذلك التشابه معقودة بناصية الفطرة الإنسانية وبندائها الذي لا يتوقف ولا يفتر وبسؤالها الخالد الذي قد نسمع صداه يتردد في بعض الإبداعات الإنسانية الخالدة كمثل أحجية أبي الهول ( عما هو الكائن الذي يسير في الصباح على أربع وفي الظهيرة على إثنتين وفي المساء على ثلاث ) وتأكيد هاملت ( أن أكون أو لا أكون … ؟ ذلك هو السؤال ) .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق