ألرئيسيةرأي

أقانيم الدين الإبراهيمي – 2

بقلم /علي عبدالله

تفضي موازاة اليهودية والمسيحية والابراهيمية إلى تطابق كامل بينها ، وإلى إمكانية أن نستخلص من هذا التطابق نتيجة مزدوجة نسير في اتجاهين متقابلين ، إذ نلحظ في أولهما قابليتها جميعا أو منفردة كل منها عن الاخريين للتطابق مع أنظمة عقدية مختلفة وعديدة سادت في ثقافات وحضارات قديمة ، تجسد ( الأقنومية الثالوثية ) قاسمها المشترك ، أما في الاتجاه الآخر فنلحظ عدم قابليتها للنطابق مع الإسلام ، وذلك لسبب جوهري لا يمكن غض النظر عنه وذلك هو تمحور الاسلام حول مبدإ واحد ووحيد هو ( مبدأ التوحيد ) الأمر الذي يجعل من الإسلام مختلفا عن تلك المنظومات ومناقضا لها جميعا . فليس فيه أقنومية بأية صورة ولا أقانيم من أي نوع ، ولا ينتهي الاختلاف عند ظاهر تكوين الإسلام بمقابل تكوينات تلك المنظومات بل هو يطال اكثر الموضوعات جوهرية فيما تعلق بما يهدف إليه الدين وبمدى قدرته على تحقيق ذلك ، وإذا نحن لم ننس أن ما يجعل من الدين دينا حقا هو مدى أهليته للإجابة على سؤال الفطرة وقدرته على الاستجابة لندائها ، فإن السؤال الذي يطرح هو أي الصيغتين اللتين يصر معتنقو كل منهما على تجسد الدين الحق هي المؤهلة لتلك المهمة والقدرة على تحقيقها فعلا ، هل هي المتمحورة حول ( مبدإ التوحيد ) أو المتمحورة حول مباديء ثلاثة تدعى أقانيما تقول أنها تجسيدات للتوحيد ؟.
وفي الواقع لا تبدو الإجابة عن هذا السؤال ممكنة دون معرفة ما تعنيه ( الفطرة ) ليتاح لنا من بعد معرفة ما يعنيه سؤال الفطرة وندائها .
ربما أمكننا أن نضع كلمة ( غريزة ) بصيغة المفرد أو ( غرائز ) بصيغة الجمع لتحديد الدوافع الأصلية المحركة للكائنات الحية ، ولكن الملاحظة الدقيقة ترينا أن كلمة ( غريزة) كما تستعمل في الفلسفة وفي البيولوجيا وعلوم النفس والاجتماع والانثروبولوجيا والوراثة وغيرها لا تبرأ من خلط نجد جذوره فيما يسمى ( الكتاب المقدس ) بجزئيه أو عهديه القديم والجديد ، حيث لم ترد كلمة ( فطرة ) ولا أيا من اشتقاقاتها في أي مكان فيه ، وجاءت كلمتا ( شهوة ) و ( هوى ) في توصيف تلك الدوافع ، وفي خلط واضح بين الدلالات ، إضافة إلى التوظيف الأيديولوجي العنصري ( لاتشته بيت قريبك ، لاتشته إمرأة قريبك ، ولا عبده ، ولا أمته ، ولا ثوره.، ولا حماره ، ولا شيئا مما لقريبك ) فالشهوة إذن هي نزعة استحواذ وتَملك ، وما يسمى الكتاب المقدس يحرم على اليهودي أن يستحوذ على ما بحوزة يهودي ( قريبك ) ، أَما ما يملكه الغوييم أي الأغيار الذين ليسوا يهودا فهو َمباح ، بل أن اليهودي مأمور من واقع نصوصه المقدسة بالاستحواذ عليها واحتلالها ، إلى ذلك تحرم تلك النصوص على اليهودي اشتهاء مقدسات الآخرين باعتبار أنها نجسة شأن من يقدسونها ، وفي العهد الجديد الذي يرفضه اليهود ولا يعترفون به باعتبار عيسى عليه السلام خارج عما جاء به موسى ومتمرد عليه وذلك يعني من الوجهة اليهوديةأن دعوة عيسى زائفة ويكفرونه عليه السلام ، ولا يقابل أتباع المسيحية ذلك الموقف اليهودي بموقف مماثل بل يعتقدون أن عقيدتهم امتداد لما جاء به موسى ويتخذون مما يسمى العهد القديم مرجعية لكتابهم المسمى العهد الجديد ، وذلك موقف لا يخلو من مفارقة فبين اعتبار المسيحيين عقيدتهم امتدادا للعقيد اليهودية ثم اعتبارها في نفس الوقت تصحيحا لما لحق باليهودية من تحريفات وزيغ ، ورث اللاهوت المسيحي أخطاء وانحرافات اللاهوت اليهودي وأخفق بالتالي في إصلاح اليهودية والمسيحية نفسها التي يفترض أنه قام أصلا ليعبر عنها ويثبت أركانها ، ومما ينسبه مؤلفو الأناجيل الأربعة في العهد الجديد إلى السيد المسيح عليه السلام مثلا قوله ( قد سمعتم أنه قيل للقدماء : لا تزنَ . أما أنا فأقول لكم أن كل من ينظر إلى إمرأةٍ ليشتهيها ، فقد زنىٰ بها في قلبه ) نرى الشهوة الحسية تتحول إلى خطيئة و ( هوىً ) قلبياً ، أي أن الهوى علة باطنية منشأها شهوة الحواس ، وتلك خطوة متقدمة في سياق تحديد دلالة كل من الشهوة والهوى يمكن اعتبارها محاولة لفك الخلط بينهما الذي يسم النظرة والموقف العنصريين اليهوديين فيما يسمى العهد القديم واستجابة فعلية لنداء الفطرة الإنسانية وإمكانية متقدمة عما سبقها للإجابة عن سؤالها ( الفطرة) ، لكنها توقفت عند ذلك باستحواذ شاوول الطرسوسي والفريسيين على دعوة السيد المسيح عليه السلام وافسادهم إياها بتحريفها وتحويلها إلى صيغة إضافية للأيديولوجيا العنصرية التي أقامها عزرا وأخبار اليهود على أنقاض دعوة موسى وبديلاً لها ، وأخفقت في الايفاء بمقتضيات الفطرة التي لا يفتر نداؤها ولا تتوقف عن طرح سؤالها المُلِحّ دائماً ، إذ من الواضح أن ليس في صراخ الشهوة وهمسات الأهواء شيء حقيقي من نداء الفطرة ، بل أنهما لايزيدان عن محاكاة زائفة لذلك النداء ، فلا ينفصل نداء الفطرة عن ( المعنى ) وسؤال المعنى .
وهو السؤال عن أي شىء وعن كل شيء ، السؤال عما كان وعما هو كائن وعما سيكون ، سؤال الوجود والحياة وعما ينطويان عليه من معانٍ ، وعما يمكن أن يفرغهما من تلك المعاني ويستلبهما بالتالي من كل قيمة حقيقية ،
إن بإمكان التمعن في يهودية عزرا ومسيحية الطرسوسي أن يظهرنا عن الأخفاق في الاستجابة لنداء الفطرة وفي تقديم الإجابة الصحيحة عن سؤالها ، والذي نقرأه في كل حرف من حروف ما يسمى الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ، والذي إن يكن بحثاً عن ( معنى الوجود والحياة ) فهو بحث خاطيء ومقيد كثور الساقية برسن ( الأنا ) اليهودية المتورمة إلى وهم الشعب المختار .
أيضاً لا يبدو ما يراد فرضه تحت مسمى الديانة الإبراهيمية مؤهلاً بنسقه الأقنومي لإزالة تلك الأخطاء كلها ولا لإقالة البشرية مما تتردى فيه ، ولا في مقدوره الاستجابة لنداء الفطرة والإجابة عن سؤالها الجوهري ، السؤال عن معنى الوجود والحياة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى