خلف الملابس الثقيلة والوجوه المختبئة خلف النظارات الواقية، يعيش “أطفال القمر” معركة يومية مع الشمس والخوف والعزلة
في كل صباح صيفي، تستعد الطفلة فرح أشرف حميدة ذات الثمانية أعوام للخروج وكأنها تواجه عالماً معادياً للشمس، لا للحرارة فقط. ترتدي ملابس سميكة وقفازات ونظارات خاصة تخفي ملامح طفولتها الصغيرة، بينما تراقب شقيقتها الكبرى جود، ذات السبعة عشر عاماً، تفاصيل اليوم بحذر اعتادت عليه منذ سنوات طويلة من التعايش مع المرض ذاته.

تفاصيل من الألم اليومي
داخل منزل العائلة، لا يشبه الصيف المواسم المعتادة لدى الآخرين. فبينما يهرب الأطفال إلى البحر والحدائق، تعيش جود وفرح ساعات النهار خلف النوافذ المغلقة، خوفاً من أشعة قد تتسبب لهما بحروق خطيرة أو مضاعفات صحية قاسية. فهما من “أطفال القمر”، المصابين بمرض جفاف الجلد المصطبغ، وهو مرض وراثي نادر يجعل التعرض البسيط للأشعة فوق البنفسجية خطراً دائماً يهدد الجلد والعينين والحياة نفسها.
أعباء مضاعفة ترهق العائلة
معاناة العائلة لا تتوقف عند الخوف الصحي فقط، بل تمتد إلى الأعباء النفسية والمادية الثقيلة. فكل قطعة لباس واقٍ تحتاج إلى تكلفة مرتفعة، إلى جانب الكريمات الطبية والنظارات والأقنعة الخاصة التي يصعب توفيرها باستمرار داخل ليبيا. وتقول العائلة إن أكثر ما يؤلمها ليس المرض وحده، بل شعور الطفلتين بالاختلاف والعزلة، وحرمانهما من حياة طبيعية تشبه بقية الأطفال.
حكايات مشابهة تحتاج للاهتمام
جود ومرح ليستا وحدهما، فهناك نحو 40 طفلاً وشاباً مصاباً بمرض جفاف الجلد المصطبغ في ليبيا، إلى جانب أعداد أخرى غير معلنة، يواجهون المرض دون رعاية خاصة أو دعم يخفف عن أسرهم كلفة العلاج والملابس الواقية الباهظة.
ومن بين الحالات التي التقتها “الصباح” سابقاً، الطفل أنس فوزي الشتول، الذي عكس جانباً آخر من معاناة المصابين، بين صعوبة الحياة اليومية، وتحديات الدراسة، وغياب الدعم الكافي.
توصية طبية..

وفي تعليق له حول هذه الحالات، أوضح الإستشاري في أمراض الجلدية الفيتوري الحسلوك، أن معاناة المرضى لا تقتصر على المصاب فقط، بل تمتد إلى ذويه وحتى الطبيب المعالج، في ظل ضعف الإمكانيات المتاحة، مشيراً إلى أن التغيرات الجلدية الناتجة عن المرض قد تتسبب في آلام شديدة وتطورات خطيرة قد تصل إلى أورام ومضاعفات صحية معقدة.
ودعا إلى ضرورة اهتمام الجهات المعنية بتوفير احتياجات هؤلاء الأطفال، والعمل على تهيئة المدارس بما يتناسب مع أوضاعهم الصحية، أو حتى فتح فصول مسائية خاصة لتخفيف تعرضهم للشمس وتمكينهم من مواصلة تعليمهم بشكل آمن وإنساني.
من جهته، أكد السيد أشرف، والد الطفلتين، أن جود وفرح تواجهان أزمة حقيقية في حقهما في التعليم، في ظل غياب إدراك كافٍ لضرورة وجود بيئة مدرسية تراعي وضعهما الصحي، معبّراً عن أسفه من أن الإهمال في توفير المتطلبات الأساسية يؤدي إلى تفاقم الحالة، ورفع الكلفة العلاجية من مجرد مراهم وواقيات إلى علاجات معقدة وغير متوفرة، قد تصل إلى أورام وإصابات خطيرة.

ومع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تتضاعف معاناة “أطفال القمر”، الذين يحتاجون إلى رعاية صحية ونفسية واجتماعية حقيقية، وبرامج دعم تضمن لهم حقهم في التعليم والحياة الآمنة، بعيداً عن الخوف والعزلة التي فرضها المرض على تفاصيل أيامهم، ويمنحهم حقهم في حياة أكثر أماناً وتعليماً يراعي ظروفهم الصحية والإنسانية.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية