ألرئيسيةرأيسليم الزريعي

أردوغان…أوغلو… باباجان…تنافس سياسي أم كسر عظم؟

 

بقلم /سليم يونس

 فيما يتوالى تأسيس الأحزاب السياسية في تركيا من قبل قيادات حزبية وسياسية كانت من أعمدة حزب العدالة والتنمية الحاكم، ومن وشركاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المقربين، فهم من صناع النقلة النوعية التي شهدها الواقع التركي سياسيا واقتصاديا مع مطلع هذا القرن، كحزب المستقبل الذي أسسه منظر وراسم سياسة حزب العدالة والتنمية أحمد داوود أوغلو صاحب سياسة ” صفر مشاكل” في السياسة الخارجية أواخر العام الماضي، وعلى باباجان الذي يعود له فضل الانتعاش الاقتصادي الذي شهدته تركيا في السنوات الأخيرة ، الذي أطلق بدوره حزب “الديمقراطية والتقدم” (دواء) في 11 مارس 2020، كمنافس لحزب العدالة والتنمية بشكل أساسي.

إن تأسيس هذه الأحزاب في هذه اللحظة التاريخية الهامة من مستقبل تركيا والمنطقة، وفي وقت يخوض فيه رئيس حزب العدالة والتنمية أردوغان معارك متعددة مع أكثر من جهة خارجية، وصلت حد التدخل العسكري المباشر في سوريا وليبيا، وربما تحقيقه لمكاسب فيها؛ لكنها حسب بعض المراقبين  تحسب لأردوغان وحزبه، وليس للدولة التركية التي لا يكفيها أنها تعيش حالة اشتباك مع بعض جيرانها من دول الإقليم، وإنما تعاني من أزمه داخلية عميقة رأسيا وأفقيا، وهي الأزمة التي عبر عنها تشكيل حزبين سياسيين من رحم حزب العدالة والتنمية الحاكم، بل وطرح تلك الأحزاب لبرامج سياسية واقتصادية واجتماعية وتصور أمني يقف على طرفي نقيض من سياسة الرئيس التركي وحزبه.

فيما يضيف المشهد الكردي وممثلة حزب الشعوب الديمقراطي مزيدا من الانسداد السياسي، بعد أن وصل الأمر حد زج بعض ممثليه المنتخبين في البرلمان وراء القضبان، بدعوى تأييد حزب العمال الكردي الذي تضعه أنقرة وبعض الدول على قائمة الإرهاب، فيما يخوض الحزب صراعا مسلحا مع الجيش التركي منذ عقود من أجل حقوق الأكراد القومية.

هذه التناقضات الداخلية الحادة أضفت بعدا سياسيا وربما استراتيجيا على المشهد التركي جراء تأسيس هذه الأحزاب، كون هذا التأسيس يمثل متغيرا سياسيا جوهريا في الحياة الحزبية في تركيا، وله بالتأكيد ما بعده ارتباطا بدور هذين الرجلين في قيادة حزب العدالة والتنمية في فترة صعوده السياسي والاقتصادي ودوره الإقليمي.

ولا يمكن للمراقب وهو يقارب الواقع التركي المفخخ سياسيا واجتماعيا، إلا أن يقرأ ما يجرى الآن بأنه يمثل المخرجات الطبيعية لمدخلات الحالة التركية بشكل عام، وحزب العدالة والتنمية بشكل خاص طوال السنوات الماضية.

وهي المخرجات التي ظهَّرتها الانتخابات البلدية الأخيرة، كونها كشفت أن حزب العدالة والتنمية بات يعاني من تراجع في حاضنته الشعبيةـ وهو تراجع يسبق وجود هذه الأحزاب، وهو أمر برز بشكل واضح في الانتخابات البلدية عندما فقد الحزب رئاسة بلديات كبرى مثل أنقرة وإسطنبول لصالح المعارضة. 

وكانت هذه الانتخابات اختبارا قاسيا لحزب الرئيس أردوغان، كانت نتيجته سقوطه في اختبار الديمقراطية، عندما رفض التسليم بنتائج الانتخابات في بلدية إسطنبول، مما أضفي ظلالا جدية حول فهم الحزب للديمقراطية. وربما كان هذا الموقف قد منح القوى المعارضة مكنة التشكيك في ديمقراطيته، وهذا ما جعل القوى المتحورة الجديدة كونها كانت من قيادة وبنية حزب العدالة والتنمية، تتحدث عما تسميه انحراف الحزب الحاكم عن قيم الديمقراطية.

ولذلك دعا على بابا جان رئيس حزب الديمقراطية والتقدم إلى القول إن حزبه سيحارب من أجل توفير المزيد من حرية التعبير، وإنهاء نظام الحكم الرئاسي ومن أنه “حان وقت الديمقراطية والتقدم في تركيا”، وأن يوجه انتقادات مبطنة ودعوات إلى دستور جديد يضمن فصل السلطات والحريات الديمقراطية وخفض الخطاب الاستقطابي وإنهاء الاستغلال السياسي للدين. 

وبدورة انتقد أحمد داوود أوغلو السلطات الواسعة الممنوحة للرئاسة بموجب التعديلات الدستورية. وقال: “لن يكون ممكناً الحصول على مجتمع ديموقراطي بوجود نظام مثل هذا”.

ويأخذ المنشقون عن حزب العدالة والتنمية ومن ضمنهم باباجان وداود أغلو على أردوغان ما يعتبرونه التفرد بالقرار والتسلط في إدارة الحزب والدولة، وطريقة تصفية خصومه السياسيين سواء من داخل الحزب أو من خارجه. بل إنهم يرون أن سياسات الرئيس أضعفت تركيا وأقحمتها في معارك وخصومات مجانية مع الشركاء الغربيين والعرب.

لكن الرئيس التركي اتهم من سماهم بالمنشقين بالخيانة وعلق على إعلان الحزب الجديد لباباجان، بأنه كيان ليس لديه مبدأ أو قضية أو أمة محكوم عليه بالفشل”، وحذر مما سماه “تقسيم المجتمع المسلم”.

ومن الواضح أن الحزبين لرمزين من رموز حزب العدلة والتنمية أحدهم منظره السياسي والآخر علي باباجان، كان يلقب بمهندس الاقتصاد التركي، ويحظى الرجل بشعبية كبيرة داخل النخب التركية، ما جعل الأنظار كلها تلتفت إليه على المستويين المحلى والدولي. 

ويعول الحزبان بشكل أساسي على استقطاب الناخبين المسلمين المحافظين الذين يصوتون عادة لحزب العدالة والتنمية وكذلك الأشخاص القلقين بشأن الاقتصاد عقب أزمة العملة في 2018، أي أن تمددهم سيكون على حساب حزب العدالة والتنمية ومن جمهوره وأنصاره، ومن هنا يبدو قلق الرئيس أردوغان وربما ذعر قيادات حزب العدالة والتنمية الذي نقدر أن له أساسه الموضوعي، بعد خسارة مرشح الحزب رئيس الوزراء السابق علي يلدريم أمام مرشح حزب الشعب المعارض مرتين متتاليتين في انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول.

وما يضفي بعدا استراتيجيا على سياسة حزب علي باباجان، هو في مقاربته للمسألة الكردية، من ذلك أن هناك 25 كرديا يتولون مسؤوليات في مجلس الحزب التأسيسي، بل ووعد الحزب أنه في حال وصوله إلى السلطة سيعتمد لغات قوميات أخرى بشكل رسمي بجانب اللغة التركية.

 ومن ثم فإن نظرة حزب علي باباجان التعامل مع مكونات المجتمع التركي على قدم المساواة، إنما يقدم مساهمة جوهرية على طريق التعافي المجتمعي، وتأتي المسألة الكردية على رأس القضايا المطلوب حلها، وهو حل من شأنه أن يعيد الاستقرار إلى تركيا والمنطقة، وقد وعد علي باباجان بأن يجد لها حلا، مشيرا إلى أن تركيا تمتاز بتنوعها واختلافاتها التي تزيدها قوة ولا يمكن اعتبار الاختلافات مشكلة. 

بل إن باباجان قال: “لن نجعل الاعتراف بحقوق الأكراد رهينة مكافحة تنظيم حزب العمال الكردستاني.. بل سنعترف بكل حقوقهم من جانب وسنكافح التنظيم الإرهابي من جانب آخر”.

وهي رسالة للجمهور الكردي ولحزب الشعوب الديمقراطي بأن حزب علي باباجان ينوي رسم سياسة مناقضة لسياسة حزب العدالة والتنمية بالنسبة للمكون الكردي المحروم من لغته وثقافته، من أجل حل للمسألة الكردية، وهي رؤية من شأنها أن تمنح حزب الديمقراطية والتقدم مساحة جديدة لدى الجمهور الكردي من شأنها أن تجعل منه حزبا متعدي للقوميات والمناطق أساسه المواطنة، وهو ربما يعطي أفضلية لهذا الحزب لدى ناخبي حزب العدالة والتنمية غير المؤدلجين في الوسط الكردي، يخصم من حساب حزب العدالة والتنمية الانتخابي.

إن تجربة الحكم طوال سبعة عشر عاما للعدالة والتنمية مكنته من مفاصل الدولة، كما أن له أنصاره، وماكنته الإعلامية والدعوية، وسيناضل من أجل الحفاظ عل سلطته بكل الوسائل لأن هناك تهديدا جديا ليس من هذين الحزبين  فقط ، وإنما من بقية الأحزاب، لكن تحدي رفاق الأمس له بعد آخر كونه يستهدف حاضنته الشعبية التي تشهد تآكلا سيسعى الحزب إلى ترميمه، ولكنه لن يكون سهلا في ظل أزمة الديمقراطية والتراجع الاقتصادي والمسألة الكردية والتدخل التركي خارج تركيا، وهذا يجعل الصراع بين حزب العدالة والتنمية والحزبين الجديدين، اللذين وعدا بوضوح بالعودة عن النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني، في استهداف مباشر لخيار الرئيس التركي أردوغان الرئاسي، بمثابة صراع  هو أقرب إلى معركة “كسر عظم”؛ منه تنافسا سياسيا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق