منصة الصباح

عيد.. وقرمة وقديد

أحلام محمد الكميشي

سلط عيد الأضحى المبارك هذا العام الضوء على كثير من شؤون حياتنا بكل ما فيها من عبادة وعادة، وعلى سياسات بلادنا المالية والاقتصادية والمصرفية والرقابية، وفضح البرامج والخطط التي نسمع عنها ولا نرى أثرها حول التحول للإنتاج وترشيد الاستهلاك والتحول الرقمي والقضاء على البيروقراطية بل وحتى القضاء على الفوارق الطبقية.

لكن الأبرز هو ما كشف عنه من عنصرية ثقافية استهدفت الرجل والمرأة معًا، إذ فاضت عديد صفحات التواصل الاجتماعي بمنشورات تستهجن تواجد النساء في أسواق بيع الأضاحي برفقة رجالهن أو بدونها وعدّوا هذا منكرا ونقيصة تشوههن ومن معهن من الرجال الذين احتسبتهم أغلب المناشير أزواجهن رجمًا بالغيب، والغريب أن تلك المنشورات لم تكن موضوعية ولم تستعرض الأسباب وتناقش الحلول بعيدًا عن السخرية والتحريض، بل تمادت حد السخرية من الرجل الليبي الذي يأخذ أضحيته للجزار لذبحها أو تقطيعها، وعدّت هذا تقصيرًا في أهم ميزات الرجولة ومعايير الحياة مستحضرةً أمثالا شعبية وإن جسدت عصارة خبرة المجتمع عبر أجيال إلا أنها ليست قرآنًا كريمًا صالحًا لكل زمان ومكان.

إن تخلي الرجل الليبي عن ذبح أضحيته وسلخها وتقطيعها في بيته ووسط أطفاله، هو حلقة من حلقات التغير في المجتمع الذي أخذ طريقه نحو المدنية دونما خريطة، وخطوة في رحلة بدأها أسلافه بصيد الطريدة ثم مقايضتها بدل صيدها ثم شرائها بدل مقايضتها، وتخلوا فيها عن الكهف والغار ثم الخيمة والبيوت المنحوتة في الجبال أو المحفورة في باطن الأرض أو المبنية بمساعدة الأهل والأقارب بجهود ذاتية ودونما مقاول ودونما مكاتب عقارية ومحرري عقود أو سجل عقاري، وقد تخلت المرأة أيضًا عن دورها في الحقل مع أهلها وجلب الماء والحطب ونسج البطاطين والجرود وحياكة الملابس وطحن الحبوب والعجن والخبز، حيث تكفلت المخابز والمصانع بتحمل المسؤولية وصار الأولاد لا يأكلون الخبز المعجون بعرق أمهاتهم وإنما بعرق عامل مغترب ربما لا يحوز حتى شهادة صحية، ويأكلون الغلال والثمار التي يشتريها الآباء من (براكة) يديرها عامل عربي أو افريقي ويعيشون في بيوت لم يحمل طوبها بصمات آبائهم وأجدادهم بل بصمات المقاول وعماله.

لقد تخلى الرجل والمرأة عن كثير مما كان أهم واجباتهم ومعيار تفضيل بعضهم عن الآخر وأهم مقومات قبولهم في عروض الزواج، ومرّت الأمور بسلاسة واحتسبوها تطورا لابد منه فلكل زمان أهله وقوانينه.

 

 

 

كيف لمجتمع يسمح للمرأة أن تقود السيارة في الصحراء والطائرة في الجو وحمل الرتب العسكرية وتعليم الأجيال في المدارس والجامعات وتولي المناصب السياسية والوظائف العامة ومساعدة الرجل في تحسين مستوى حياة الأسرة بتنويع مصادر الدخل، أن يهاجم دخولها مع رجلها لسوق الأضاحي بدعوى أنه يشوه النخوة والمروءة والشرف؟ كيف لبلد مازالت تعاني انتشار السلاح وجرائم القتل والإرهاب والخطف والتغييب القسري، أن توبخ الرجل لتخليه عن ذبح وتقطيع الأضحية باستحضار أمثال وأشعار الأولين؟ مع أنه في زمن أهل هذه الأمثال كانت المرأة تحمل السكين في طيات ثيابها وتذبح الشاة وتولم للضيوف دون أن يحسبوا هذا منها وحشية أو استرجالا.

 

 

 

 

شاهد أيضاً

الكتاب المدرسي.. جهود حثيثة لضمان وصوله لجميع الطلاب قبل بدء العام الدراسي

استعدادا للعام الدراسي المقبل، تعمل وزارة التعليم بجهود حثيثة لتوفير الكتاب المدرسي قبل انطلاق العام …