منصة الصباح
"فرسان اشبيلية".. صوت يخرج من الصمت
"فرسان اشبيلية".. صوت يخرج من الصمت

“فرسان اشبيلية”.. صوت يخرج من الصمت

الصباح /حنان علي كابو

تأتي رواية “فرسان إشبيلية” لتفتح نافذة صغيرة على تسعينيات طرابلس، حيث يتحول الخوف إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية، ويصبح الكلام فعلًا محفوفًا بالاحتمال..

تدور الرواية الصادرة عن “الدار العربية للعلوم ناشرون” حول ثلاثة أصدقاء يقررون كسر هذا الصمت عبر محطة إذاعية سرّية، في محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان وصوته، وبين المدينة وما تخفيه خلف هدوئها الظاهر. وتمتد الأحداث لتتقاطع بين فضاءات طرابلس وجسور قسنطينة، في مسار يشتبك مع أسئلة الحرية والانتماء والكرامة..

لا تنفصل هذه الرواية عن سيرة كاتبها “علاء الدين بن عز الدين”، الكاتب والناشط المجتمعي الليبي، الذي وُلد في الولايات المتحدة، ونشأ في طرابلس، حيث تشكّل وعيه الأول داخل مدينة ظلّت حاضرة في مشروعه الثقافي بوصفها ذاكرة لا مكانًا فقط..

درس هندسة الكمبيوتر قبل أن يتجه إلى العمل المجتمعي، و أسّس “مؤسسة رواحل الشبابية” المعنية ببناء قدرات الشباب والتعليم والتنمية، كمحاولة لربط الفعل الإنساني بسؤال المعنى وإمكان التغيير..

ومن هذا التقاطع بين التجربة الفردية والهمّ العام، تأتي “فرسان إشبيلية” بوصفها نصًا يشتبك مع الذاكرة أكثر مما يروي حدثًا، ويعيد مساءلة الإنسان في لحظة هشاشته وقوته، بين ما يعيشه وما يمكن أن يكون عليه..

سجن الصمت..

في “فرسان إشبيلية” يبدو أن السجن ليس دائمًا زنزانة، والحرية ليست دائمًا بابًا مفتوحًا. ما أكثر أنواع السجون التي أردت فضحها في الرواية؟

أردتُ أن أقول إن أخطر السجون ليست تلك التي تُبنى بالحجارة والقضبان فقط، بل تلك التي تُبنى داخل الإنسان: سجن الخوف، وسجن الصمت، وسجن الاعتياد على القبح، وسجن أن يكفّ الإنسان عن الحلم لأنه صدّق أن الواقع أقوى منه..

الزنزانة في الرواية حاضرة، لكن ما قبل الزنزانة أخطر أحيانًا: حين يتحول الوطن إلى مساحة مراقبة، والكلمة إلى تهمة، والكرامة إلى مغامرة. أردتُ فضح ذلك السجن الخفي الذي يجعل الإنسان حرًا في الظاهر، لكنه مقيّد من الداخل..

رمز لحضارة..

– اخترت إشبيلية عنوانًا ورمزًا للحلم، لماذا؟
إشبيلية بالنسبة لي ليست مدينة فقط، بل رمز لذاكرة حضارية كبرى؛ ذاكرة الجمال والعلم والفن والقدرة على صناعة معنى للحياة. لم أستدعِها بوصفها حنينًا أندلسيًا باكيًا، بل بوصفها حلمًا بما يمكن أن يكون عليه الإنسان حين يجتمع الإيمان بالحرية، والجمال بالمعرفة،والانتماء بالانفتاح.

إشبيلية في الرواية هي الملاذ، لكنها أيضًا السؤال: هل يمكن لأمةٍ كسرتها الهزائم أن تستعيد قدرتها على الحلم والبناء؟

مرآة للتناقض..

– جعلت طرابلس مسرحًا لذاكرتك الروائية. هل كتبت “فرسان إشبيلية” بوصفك شاهدًا على المكان أم بوصفك شخصًا ظل يبحث عن مكانه في العالم؟

– أظن أنني كتبتها بالمعنيين معًا. طرابلس ليست خلفية للأحداث، بل هي جزء من تكويني وذاكرتي ووعيّي الأول. كتبتها بوصفها مدينة عشتُ رائحتها وشوارعها وخوفها ودفء أهلها، لكنني في الوقت نفسه كنت أبحث من خلالها عن مكاني في العالم..

أحيانًا لا يكتب الإنسان عن المكان لأنه يعرفه فقط، بل لأنه ما زال يحاول أن يفهم أثره فيه. طرابلس في الرواية ليست مدينة جغرافية فحسب، بل مرآة لجيلٍ كامل عاش بين الحب والخوف، وبين الحلم والانكسار..

– هل كانت “فرسان إشبيلية” في جوهرها محاولة لفهم الإنسان نفسه الذي سعيت إلى خدمته عبر مؤسسة رواحل الشبابية؟
– نعم، إلى حد بعيد. العمل المجتمعي يضعك أمام الإنسان في صورته الواقعية: طموحه، هشاشته، قدرته على النهوض، وحاجته إلى من يصدّق إمكاناته. أما الرواية فتمنحك فرصة الدخول إلى أعماق هذا الإنسان: لماذا يخاف؟ لماذا يتمرد؟ لماذا يحب؟ ولماذا يقرر في لحظة ما أن يكون أكبر من جرحه؟

في رواحل سعيتُ إلى خدمة الشباب عبر البرامج والمبادرات، وفي الرواية حاولتُ أن أفهم الروح التي تقف خلف كل مشروع نهضة: الإنسان حين يجد معنى لحياته، وقضية تستحق أن يعيش من أجلها..

ذاكرة جيل..

– تقول إن الأدب وسيلة لحفظ الذاكرة وإعادة بناء المعنى. ما الذي كنت تخشى ضياعه أكثر أثناء كتابة الرواية: ذاكرة جيل كامل أم ذاكرتك الشخصية تجاه طرابلس التي صنعت وعيك الأول؟

– كنت أخشى ضياعهما معًا، لكن ذاكرة الجيل كانت الهمّ الأكبر. الذاكرة الشخصية كانت بوابتي إلى الذاكرة الجماعية. كنت أخشى أن تضيع تفاصيل زمن كامل: خوف الناس، شجاعتهم الصغيرة، أحاديث البيوت، دفء العائلة، قسوة السلطة، وأحلام الشباب التي وُلدت في ظروف لم تكن رحيمة..

ليست المشكلة أن ننسى الأحداث الكبرى فقط، بل أن ننسى أثرها في الأرواح. الرواية كانت محاولة لحفظ ذلك الأثر قبل أن تبتلعه السرديات الرسمية أو الصمت الطويل..

لغة الفعل والمعنى..

– أين ينتهي علاء الدين الناشط ويبدأ علاء الدين الروائي، أم أن الاثنين يكتبان الكتاب نفسه بلغتين مختلفتين؟

– لا أستطيع أن أفصل بينهما فصلًا كاملًا. الناشط يسأل: كيف نبني الإنسان؟ والروائي يسأل: ماذا يحدث داخل هذا الإنسان وهو يحاول أن يُبنى أو ينهض أو يقاوم؟
لكن الرواية لا تحتمل الوعظ المباشر، ولا ينبغي لها أن تتحول إلى منشور أو خطاب. لذلك حاولتُ في “فرسان إشبيلية” أن أترك الشخصيات تعيش وتخطئ وتحب وتتألم وتكتشف طريقها. ربما يكتب الناشط والروائي الكتاب نفسه، لكن بلُغتين مختلفتين: الأولى لغة الفعل في المجتمع، والثانية لغة المعنى في الروح..

 

شاهد أيضاً

طبيبة باطنية توضح متى تتحول الوجبة إلى جزء من العلاج ؟

طبيبة باطنية توضح متى تتحول الوجبة إلى جزء من العلاج ؟

إعداد: تقوى البوسيفي يعتقد كثير من المرضى أن طريقة تناول الدواء لا تقل أهمية عن …