أجتماعيألرئيسيةالأوليتحقيقات

كيف عاش أهل سرت في ظل تنظيم الدولة الإسلامية  «داعــــــــــــــش )) ؟ 2

أحد الشباب :

تنظيم الدولة قام بإلغاء مادة الفيزياء والكيمياء وجعل مدارس للذكور وأخرى للإناث

زوجة قيادي في داعش:

هربت من سرت مع أهلي بعد زواج  لعشرة أيام فقط أكتشفت فيها الكثير

م.ع يقول:

أتانا الوالي وهو سعودي الجنسية وطلب من مشائخ القبيلة الحضور والتعهد بعدم التدخين

بينما كانت العائلة تنتظر ابنها الذي سيفرج عنه التنظيم سمعوا بشاب مصلوب بجزيرة الدورة أكتشفوا أنه إبنهم

المواطن م.غ :

كان أحدهما فلسطينياً والآخر سورياً وفتاتين يزيديتين من العراق قالوا إنهما سبايا

لأننا تعهدنا بأن نبقى معكم في صورة الحدث مع قرائنا والمهتمين بالشأن السرتاوي والليبي على حد سواء .. ولكي تصل حقيقة ما اقترفته أيادي الغدر في حقبة ما يُعرف بتنظيم الدولة الإسلامية آنذاك، في حق أهالي مدينة سرت .. هذه المدينة التي لم تلتفت إليها المنظمات الإنسانية بصورة تتلاءم مع حجم ما تجرعته من ويلات وآلام .. ستبقى إرهاصاتها عمراً من الزمن .. ولكي لا نطيل نستكمل حكايا وروايات أهالي سرت عن تلك الحقبة الغابرة ..

في إطار ما كان يجري في مدينة سرت، ولتأريخ المرحلة .. توجهنا لمكتب الأكاديمي .. الدكتور (عمر.ع) الذي يحمل في جعبته الكثير والكثير عن حقيقة بدايات ذلك التنظيم .. طالباً منا إعطاءه متسعاً من المساحة ليستطرد الأحداث وكما أرختها المرحلة .. إذ بدأ قائلاً : في أواخر العام 2014 بدأ عناصر( تنظيم الدولة الإسلامية ) بالتسلّل إلى مدينة سرت، وبحلول فبراير 2015 م صارت المدينة معقلاً لعناصر التنظيم وفرضت سيطرتها الكاملة عليها وتعد المدينة أكبر معقلاً للتنظيم في ذلك الوقت حيث وجدوا فيها الملاذ الأمن لهشاشة الوضع الأمني فيها لاسيما أن من يحكم المدينة آنذاك هم أنصار الشريعة القريبة في الفكر إلى هذا التنظيم والتي أعلنت مجموعة لابأس بها البيعة والولاء لأمير تنظيم الدولة الإسلامية فيما بعد.

وفي فبراير من العام نفسه سيطر داعش على بلدة «النوفلية» التي تبعد عن مدينة سرت بحوالي 130 كم شرقا تقريبا حيث وصل موكبٌ مؤلفٌ من 40 سيارة مدججة بالأسلحة وأمروا سكان المنطقة بما يعرف بالاستتابة ومبايعة «بوبكر البغدادي» كأمير للدولة الإسلامية .

في مارس 2015 م دخلت قوة تنظيم الدولة الإسلامية إلى مدينة سرت حيث دارت اشتباكات عنيفة بين قوات التنظيم وكتيبة 166 مشاة التابعة لرئاسة أركان طرابلس سيطر على إثرها التنظيم على مشروع النهر الصناعي شرق المدينة وقاعدة القرضابية الجوية جنوب المدينة والمحطة البخارية الواقعة غرب مدينة سرت كما سيطر على مقر ما يعرف بأنصار الشريعة وسط المدينة الذي جعل منه سجناً للمواطنين الذين تم اعتقالهم بالإضافة إلى أماكن عامة منها مجمع  قاعات «واقادوقو» حيث اتخذها التنظيم كمقر أساسي لوالي المدينة وحاشيته وأعلن أن مدينة سرت إمارة تابعة له.

أقامت عناصر تابعة لتنظيم الدولة بُعيد إحكام السيطرة على المدينة نقاط تفتيش في مداخل المدينة ومخارجها ووسطها وذلك لغرض كشف هوية المارة وانتماءاتهم الوظيفية والبحث عن أي شخص ينتمي للجيش والشرطة أو يتبع للأجهزة الأمنية للدولة ورجال القضاء والقانون والعاملين بالقطاع المصرفي والمؤسسة النفطية والصحفيين والإعلاميين وإجبارهم على الاستتابة لأنهم كانوا يعتبرون ان أي شخص يتبع لهذه الأجهزة التابعة للدولة هو مرتد ويجب عليه الاستتابة .

حيث أعلن عدد لا بأس به من المواطنين التابعين لأجهزة الدولة الاستتابة بالإكراه وكان كل من يخالف أوامرهم يتعرض للاضطهاد والعقاب بالقصاص واستباحة دمه وعرضه وأملاكه .

كان إعلان الاستتابة يتم في المساجد والزوايا بالمدينة ومقر الأمن الداخلي سابقا وكانت الاستتابة هي عبارة عن نطق الشهادتين وتعبئة استمارة بيانات شخصية تتضمن معلومات عن مكان العمل والسكن

فيما بعد بسط التنظيم سيطرته الكاملة على المدينة وظهر في استعراض عسكري يجوب شوارع المدينة بحوالي 70 سيارة نوع «تويوتا» دفع رباعي مدججة بالأسلحة وعلى كل سيارة أكثر من 5 عناصر قصد التلويح بالقوة وترهيب الأهالي حتى يخضعوا للتنظيم وارتكاب الجرائم الممنهجة ضد المدنيين..

في 15 من شهر فبراير 2015 قام التنظيم باختطاف 21 مصرياً قبطياً وبث فيديو يظهر فيه إعدام الأقباط ذبحاً على شاطئ البحر .. وفي 17 من شهر يوليو وفي ثاني أيام عيد الفطر استيقظ أهالي مدينة سرت على فاجعة هزت نفوسهم ومنظر مروع تقشعر له الأبدان بقيام التنظيم بصلب شاب ليبي من مدينة سرت معلق على منصة الإعدام في جزيرة «الزعفران» بتهمة الخيانة والتجسس لصالح فجر ليبيا حيث وجدت ورقة بالقرب من الشهيد مكتوب عليها (جاسوس فجر ليبيا).

اتخذ التنظيم من مقر إذاعة سرت وفرع قناة ليبيا الوطنية كإذاعة تابعة له بمسمى «إذاعة التوحيد» التي تبث برامجها داخل المدينة على تردد خاص وتبث برامج دينية وأناشيد حماسية وأخبار التنظيم وعملياته الانتحارية والحروب التي يخوضها في ليبيا وسوريا والعراق وغيرها.. وحث المواطنين على المبايعة وتقديم الولاء والطاعة للتنظيم وخطابات زعيم التنظيم «أبوبكر البغدادي» وخطب «أبو محمد العدناني» المتحدث الرسمي باسم تنظيم الدولة .

امتلأت المدينة باللون الأسود ورايات التنظيم على كل الطرق وكل مؤسسة عامة وشعاراتهم التي قاموا بإلصاقها ورسمها على حوائط وأسوار المدينة بالكامل، والراية السوداء على كل بناية ومرتفع ولا صوت يعلو على صوت سلاحهم وصليل سيوفهم.. وزاد طغيان التنظيم ووحشيته حيث فرض النقاب على نساء المدينة لا يفرقون بين مسنة أو فتاة وطفلة .. لا كبيرة ولا صغيرة ويلاحقون كل امرأة لا ترتدي الخمار الشرعي والعباءة الشرعية وكل من يجدوها دون خمار يطاردونها وبعبارات الشتم (أين الخمار يا زوجة الحمار وبنت الحمار وأخت الحمار) ويقتادونها إلى مقر الحسبة أو يطالبون ولي أمرها بأن يأتيهم في مقر الحسبة وذلك لتعبئة تعهد بعدم الخروج من البيت دون خمار وعباءة شرعية ومحرم معها..

أصبح التنظيم يصول ويجول في المدينة وكان الأمر الناهي حيث انشأ التنظيم عدة مقار تابعة له منه مقر الحسبة التي كانت تتولى محاسبة السجناء المتهمين بالقضايا البسيطة كالتدخين والسرقة ومخالفون أوامر التنظيم .. كما إنشأ مقراً لما يُعرف بالشرطة الإسلامية التي تتولى القبض على الأشخاص ومداهمة البيوت وملاحقة المتهمين بقضايا كان يعتبرها التنظيم مخالفة للشريعة الإسلامية .. وإنشاء أيضا مقر للمحكمة الشرعية والتي من اختصاصها النظر في القضايا وإصدار الأحكام والعقوبات التي تفرض على المتهمين  القابعين خلف القضبان والنظر في قضايا الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق، وإنشاء مقر لما يُسمى بصندوق الزكاة وكانت مهمته فرض الزكاة وجمعها من أصحاب المحال التجارية ومربي الماشية والفلاحين وكانت تؤخذ بطريقة مباشرة وبقوة السلاح ..

أغلب المعارك التي خاضها التنظيم منذ دخوله للمدينة كان في مقدمتها :

* معركة وادي هراوة 70كم شرق سرت كان ذلك في شهر مارس 2015م حيث دارت اشتباكات طاحنة بين عناصر تنظيم الدولة القادمة من بلدة النوفلية إذ اشتبكت مع مجموعة تابعة للجيش الوطني وعديد  الأهالي فلم تطول ساعات حتى سقطت البلدة في أيدي التنظيم وكانت حصيلة القتلى استشهاد شخص واحد من المدنيين.

* معركة سرت .. في شهر مارس 2015 دارت المعركة رحاها بين قوات التنظيم و كتيبة 166مشاة استمرت المعركة ثلاثة أيام وانتهت بسقوط  المدينة بأيدي التنظيم.

* اشتباكات قصر بوهادي 12كم جنوب المدينة .. في يوليو2015 دارت اشتباكات بين تنظيم الدولة وأهالي المنطقة استمرت لمدة ساعة واحدة وكانت حصيلة القتلة شهيد من سكان المنطقة وواحد من عناصر التنظيم وكان سوداني الجنسية.حيث بسط التنظيم سيطرته الكاملة على المنطقة وأقام بها نقاط تفتيش على كل مفترق والقبض على كل شاب مار واقتياده للسجن وحملة اعتقالات عشوائية طالت المواطنين في بيوتهم واعتقل التنظيم مايقارب الـ35 شاباً من قبيلة القذاذفة ونقلهم وسجنهم وتعذيبهم بطريقة وحشية حيث بقوا في السجن لمدة تقارب الثلاثة أشهر واستعمالهم كورقة ضغط على الأهالي حتى لا يقومون بأي تصرف أو عمل ضد عناصر التنظيم  حيث قُتل شابان من السجناء تحت التعذيب.. وفي أكتوبر من نفس العام أتى التنظيم إلى المنطقة مصحوب بقائمة فيها أسماء لأشخاص منتسبين للجيش والشرطة حيث  قبضوا على مجموعة من المواطنين وفر الآخرون المنتسبين إلى الجيش والشرطة إلى مناطق أخرى بعيدة عن بطش التنظيم.

* معركة السلفية .. كانت في أغسطس 2015 .. حيث دارت المعركة بين كتيبة السلفية وتنظيم الدولة وصفت هذه المعركة بالأعنف منذ دخول التنظيم للمدينة واستمرت المعركة لأكثر من ثلاثة أيام  حيث  قتل فيها عدة عناصر تابعين للتنظيم وبالمقابل استشهد أكثر من 15 شخصاً من بينهم الشيخ (خالد رجب) مؤسس الفرقة السلفية بمدينة سرت، وتم خلالها القبض على عدد من المقاتلين من الفرقة السلفية، تم صلبهم وتعليقهم على أعمدة الكهرباء والكباري وجزر الدوران لترهيب النّاس وجعلهم كعبره لغيرهم في أي محاولة للخروج ضد داعش…

(مفتاح سالم بو زميتة) .. يروي لصحيفة «الصباح» .. فجيعته بأخيه أحمد وصديقه إبراهيم الهادي .. ورحلة تهجيرهم من بيتهم ومدينتهم من قِبل «داعش» وتداعيات تلك الفاجعة ..

كما يروي مراحل وحكايا اصطفافه بملحمة «البنيان المرصوص» مطالباً بالثأر لأخيه ورفيقه وتطهيراً لسرت والوطن من تلك الحقبة..

رصدها / الفريق الصحفي بمكتب سرت ..

لأنه كان رفقة صديقه «إبراهيم» .. الذي اصطحبه بسيارته لتعبئة الوقود من أماكن بيعها بـــ«السوق السودة» آنذاك، وتحديداً بالساحة الأمامية لمحطة تحكم الخليج، التابعة لشركة الكهرباء .. بـــ«حي الزعفران» بالمدينة، والتي كانت تمثل المركز الرئيس لبيع الوقود .. فهنالك يتم البيع والتزود وبأسعار خيالية تفوق «الديناران والنصف الدينار للتر الواحد» آنذاك .. وسط مأساوية الحياة وضنكها، وشُح السيولة المالية، وتدهور الأوضاع المعيشية والأمنية ..

فوقفا هنالك وترجّل «إبراهيم» للتزود، إذ بثلاث سيارات للتنظيم تقف خلف سيارته .. نزل منها مجموعة ملثمة يحملون أسلحتهم ترجلوا إليه مسرعين وبإرهاب مطلق لتكبيله، ضارباً إياه أحدهم ((بأخمص البندقية)) .. ليقع رهن الأسر ..

لم يتمالك ((أحمد)) نفسه بأن يرى رفيقه إبراهيم يُفعل به هكذا، فحاول الذود عنه بكل ما أوتي من قوة لكنه سرعان ما وقع مغشياً عليه أيضاً، إثر الضرب المبرح الذي لقاه منهم .. برغم أن «أحمد» لم يكن في قائمة مطالب داعش على الأقل في تلك الحادثة الآنية، لأن مجموعة التنظيم التي نفذت عملية القبض جاءت صوب (إبراهيم الهادي) فقط، ولم تذهب لأحمد ولا للسيارة، إلا حينما حصل ما حصل .. فوقع «أحمد» أيضاً رهن الأسر رفقة رفيقه إبراهيم ونُقلا إلى حيث القدر وفجيعته وتداعياته، وأُغلقت هواتفهما، وانقفلت كل وسائل وطرق التواصل معهما.

ارتعدت فرائس الأهل والجيران والأحبة من سكان المدينة، وتواترت الأحداث وازدادت وقعاً في نفوسهم، وتفاقم الخوف والهلع من فقد أحمد وصديقه إبراهيم اللذان لم يُعرف مصيرهما ولا أي شاردة أو واردة تنبئ عنهما بخيراً أو غيره .. فلجأوا بعد الدعاء إلى الله في اليوم الثاني من الفقد ثالث أيام شهر رمضان المعظّم من العام 2015 .. إلى كل مسميات التنظيم وصُنوفه .. «الحسبة والشرطة الإسلامية وغيرهما، علّهم يجدوا ما يسقي ظمأ الأم، وكلح الأب والأقران بوجود المفقودين لديهم على الأقل .. فكانت الأجوبة وبنفس الكلمات وفي كل الجهات :-

((أحمد ورفيقه ليسوا لدينا .. وسنحاول بكل وسائلنا مساعدتكم في الحصول عن أي خبر عنهم وعن مصيرهم) ..

بقي الترقب والأمل رهين أم أحمد وأبيه وذويه واحبتهما جميعاً إلى قرابة الشهر أو ما يزيد عنه .. أي أول أيام عيد الفطر المبارك .. فكانت بدايات النهاية ترتسم .. وكانت المهاتفة مختصرة مع أبا أحمد .. الذي تلقى مكالمة مفادها:-

((نحن دولة الخلافة: ابنك أحمد موجود لدينا بالسجن .. بإمكانك المجي لنا بمقر اللجنة الأمنية «الأمن الداخلي سابقاً» .. لزيارته .. وانقفل الاتصال !!!»))

لأن (أحمد سالم بوزميتة) .. كان أول ضحايا تنظيم « داعش» الإرهابي .. صٌلِب بجزيرة الزعفران .. المدخل الغربي لمدينة سرت .. ثاني أيام عيد الفطر المبارك الموافق 2015.07.18 بتهمة التجسس .. وبدورنا نحن «الصباح» .. وعلى غِرار ذلك وتجلياً لإرهاصات المقاومة بسرت في ظل تلك الحقبة .. وإنصافاً لمدوّنة الفقد وتداعياته، والانكسار الجاثم على قلوب أهالي المدينة، وكذلك تجلياً للصورة المأساوية القابعة في النفوس بتعايش الأم والأب والإخوة «فوبيا» داعش واجنداتها الخارجية وأدواتها وخفاياها ..

كان لقاؤنا مسترسلاً مع المواطن «مفتاح سالم بوزميتة» شقيق الشهيد الذي التحق بمهمة الدفاع عن سرت بعد رحلة تهجير ومعاناة منذ ذلك التاريخ، طلبا لثأر أخيه وتحريراً لسرت وترابها الطاهر من هذا الورم الذي استشرى، فأصيب كغيره من الجرحى والمفقودين من أبناء الوطن الغالي خلال ملحمة كل الليبيين (البنيان المرصوص) .. التي كانت نصرة لأهالي سرت وترابها ضد ( تنظيم الدولة الأسلامية ) ..

بدأ مفتاح حديثه وبقلبه وجع وغصة جراء سؤالنا له عن تفاصيل حادثة أحمد ورفيقه .. فقال :-

الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه .. أخي «أحمد» كان شاباً في مقتبل العمر يعمل بجد ودون كلل بعمله الخاص وبسيارته النقل الخاصة، نوع (متسو بيشي «كنتر») ليتمكن من لملمة احتياجات زواجه المقترب آنذاك .. قبل فقده بليلة كان قادماً من طرابلس .. ولم يمضِ يوم كامل على وجوده بسرت حتى وقع رهن الأسر رفقة صديقه (إبراهيم) – وهما ذاهبان لشراء وقود للسيارة ((وتلك الحادثة رواها لنا شاهد عيان سوداني الجنسية كان يعمل لدى إبراهيم .. فأخبرنا عن الأسر وأحداثه وتفاصيله بعد أن أخبرنا التنظيم أن أحمد لديهم وبعد أحداث تصليبه وفجيعتنا بذلك الحدث المروّع)) ..

كانت النفوس مهشمة ويعتريها الخوف أثناء بحثنا عنهما ودون كلل في كل الأماكن العامة وفي ضواحي المدينة .. المترامية .. ولكن دون جدوى !!.

بعدما تم إبلاغنا بأن أخي أحمد موجود لدى التنظيم وأن الوالد تلقى منهم مكالمة صوتية وتحديداً من المكني «أبو إسلام .. أحد قيادات التنظيم» الذي أعطاه الإذن بالمجيء لزيارته، فلم تتمالك نفسه صبراً من شدة الفرح والهلع في ذات الوقت، فجاء مسرعاً من مزرعته فور انتهاء الاتصال معه، ليبلغنا بأن أخي موجود على قيد الحياة، مع عدم ثقته من تداعيات قبضة «داعش» والمصير المجهول الذي يلاحق ابنه .. فذهب الوالد وأحد أعمامي وابنه إلى مقرهم، فأدخلوهم في غرفة وفتحوا لهم جهاز كمبيوتر محمول .. شغلوا منه مقطع فيديو لأخي (أحمد) وهو يتحدث: (أنا بصحة جيدة ولا تخافوا عليا .. فأنا بخير) .. غير إن الوالد لم يتمالك نفسه من الخوف على مصير الابن، لقراءته في كلماته أنها مفبركة ، وأن تقاسيم وجهه لم تكن بسكينتها وسريرتها .. فأغلق الكمبيوتر سائلاً إياهم: ما قضية أحمد !!؟ وما المطلوب منا نحن أهله من ضمانات بشأن إطلاق سراحه !!؟  إن كانت له قضية !!!

كان جوابهم مسترسل ومطمئن : أحمد بعد ساعات سيكون خارج السجن !!؟

فرح الوالد بوعوده .. وطلب منا تجهيز الذبائح للفرح بإطلاق سراحه .. وعمت تباشير الفرح بالبيت والجيران والأهالي بسرت .. وبدأوا يتوافدون علينا فرحاً وتهنئة للوالدة تحديداً التي بالكاد انشطر قلبها على أحمد ..

فجأة ودون سابق إنذار .. جاءنا خبر مفاده .. أن هنالك شخصاً مصلوباً وسط جزيرة الزعفران .. مكتوب أعلى جسده «جاسوس ليبيا» .. ذهب أخي مسرعاً وعاد بعد وقت قصير وقال إن المصلوب ليس أخي أحمد .. ذهبت أنا وزوج أختي مباشرة للمكان المروع ونظرت إلى المصلوب وأنا أتجادل مع زوج أختي أنه ليس «أحمد» .. وحقيقة قد كان المصلوب أخي أحمد .. ولم أتعرف عليه، لأن جماعة التنظيم الإرهابي يحوطون بجزيرة الدوران ويمنعون أي أحد من الاقتراب ..  وحاولت الاقتراب مراراً لكنهم منعوني .. فلم تظهر صورة أحمد أمامي أبداً برغم تمركزي في المكان إلى أن طردوني .. رجعنا للبيت فوجدنا أجواء تنبيء أن المصلوب أخي .. حيث وجدنا انتشاراً لمسلحي داعش في الأجواء القريبة من بيتنا وبمعظم الشوارع ..

تواصلنا مع أعيان قبائل سرت للمشورة والتصرف، بعد تخوفنا على مصير أخي ورفيقه، وبالأخص عندما لم يطلق سراحه حسب وعودهم المزعومة .. ولم نتمكن من التواصل مع المكني «أبو إسلام» الذي وجدنا هواتفه مقفلة .. تحصلنا خلال تلك الجهود على التواصل مع احدهم والذي قال لنا (اصبروا إلى الساعة 10 مساء .. لنرى بعدها ما سيحصل بشأنه) ..

كانت الساعة العاشرة هي كلمة الفصل بشأن مصير الأخ والسند (أحمد) .. إذ كانت المفاجأة بتلقي رسالة على هاتف الوالد من «أبو إسلام» مفادها:

((إذهب لاستلام جثة ولدك .. فهو المصلوب وسط جزيرة الزعفران !!!؟؟))

تسمّر الوالد في مكانه وانهارت قواه ولم يتمالك نفسه من الحزن ووقعت الفجيعة على قلبه التي لم تكن واردة بحسبانه ..

خرجنا جميعنا وذهبنا إليه مع ظهور الصباح وبعد تصارع معهم سمحوا لنا بتنزيله ونقله .. وبعدها ذهبنا به لدفنه بمقبرة سرت «بن همال» .. فمنعونا من دفنه بها .. ورموا من فوقنا أعيرة نارية جمة .. وقالوا مثل هذا لا يدفن بمقابر المسلمين .. فعدنا به إلى البيت، ومساء ذهبنا به لمقبرة «السواوة» وحاولوا منعنا من دفنه لكننا لم نتراجع أمامهم فتركونا نمر وننهي مراسم دفن أخي الذي بفاجعته تلاحقت معنا الهموم والمآسي .. إذ حاربونا بوسائل عدة لطردنا من سرت وكانوا يريدون تصفية غير أحمد لو تركنا لهم الظروف كما شاءوا .. لكننا وبحكمة أصحاب العقول النيرة من أهل سرت جُبرنا كرهاً بمغادرة المدينة متسللين هرباً من مطاردة داعش الذين استباحوا ممتلكاتنا ومزرعتنا وحتى المواشي لم تسلم منهم رمياً بالرصاص .. وأقاموا ببيتنا وحرقوا بعض من غرفه وبالأخص غرفة أحمد وممتلكاته .. وعلى إثرها بدأت معاناة أمي التي لاتزال تطاردها صورة أحمد مما اجترها للوقوع في قبضة الهاجس النفسي .. فصرنا نعاني آلامها ونشاركها مرضها النفسي  إلى هذه اللحظة هو لصيقها وكاتم أنفاسها ..

لا أخفيكم أنني منذ فقدي لأخي الغالي وخروجي مكرهاً من سرت وأنا أحمل في داخي حقداً لا يساويه حجم أو مكان .. وصرت اترصد لأي أحد تربطه علاقة بمثل أولئك الخوارج الذي عثوا في بلدي فساداً .. إلى أن جاءت ساعة الحسم والتحمت الجموع الليبية في ملحمة البنيان المرصوص .. فكانت بداية الانتقام وأخذ الثأر وأنا أرى جسد أخي المصلوب الذي أستمر لزهاء الاربعة والعشرين ساعة في منظر تقشعر منه الأبدان وهز مشاعر كل أهالي سرت بل الليبيين جميعا ن وتيقنت الجموع أن هذا التنظيم حقيقة، وأن أهدافه تكشفت وكشر عن أنيابه في استباحة الدم والعرض والممتلكات ..

وفي الختام أفضى مفتاح بأننا لا نشحذ قدرنا أو نطالب بتعويض مادي عن فجيعتنا بالأخ ورفيقه .. بقدر ما نوجه لومنا للمنظمات الإنسانية والمجلس البلدي الذي لم يشعر بآلامنا ولم يشعرنا حتى بصيغة الاهتمام بالأثر النفسي وتداعيات الفقد التي لازالت تطارد أسر الشهداء حتى اليوم ..

المواطن « م . غ » : في يوم من الأيام وخلال بدايات داعش في سرت إي في الوقت الذي لم تكشر فيه عن أنيابه بعد .. حيث تم استدعائي من قبل اثنين من أمراء التنظيم , وعندما قابلته في المكتب وجدت معهم اثنان ممن يطلقوا عليهم المهاجرين العرب , احدهم اعتقد فلسطيني الجنسية والأخر سوري الجنسية , وفتاتين يزيديات من العراق .. أخبروني أن هؤلاء من أخوننا المهاجرين وهاتين الفتاتين يزيديات (((سبايا))) ويريدا منك العقد عليهما .. فقلت لهم : لا يجوز ذلك … فقال لي الجالس على كرسي المكتب ضاربا بيديه الاثنتين الطاولة مهشما زجاجها: انتم « يا كفرة يا عباد القوانين الكفرية « انتم من أطلتم في أعمار الطواغيت وأعوانهم .

فقلت له في قوانين الأحوال الشخصية الليبي ومنذ عام 1937 لا توجد به آمة ولا سبيّة  .. فالقانون الليبي يعامل كافة الليبيين على أنهم أحرار .. استناداً إلى خطاب سيدنا عمر بن الخطاب حينما قال : (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار) .

وقلت له لكن لديا الحل لذلك فهدأ قليلاً وتراجع في جلسته ناظراً إلى  وأنا أحدثه بكل ثقة : فقلت له الحل لا يكون إلا بإخلاء سبيلهن ومنحهن الحرية المطلقة وعليهن إيفاء نصف عدة المرأة المسلمة .. أي شهر ونصف وبعدها نأتي جميعاً وتكون ي منهما حاضرة وتتم استشارتها من طرفي أن كانت موافقة على الزواج به أم لا، فإن وافقت عقدنا لهما على كتاب الله وسنة رسوله وإن رفضت فليس بالإكراه ذلك .. فانتفضت فرائسه مهدداً إياي بأنني سأدفع ثمن هذا الكلام وفي أقرب وقت ، وطردني من المكتب فخرجت منهم إلى البيت ومن البيت وبقرار مطلق لا رجوع عنه إلى خارج سرت وخارج حدود داعش وجنده.

هنا تروي لنا احدى أرامل أكبر قياديي التنظيم قصتها :

تعرفت عليه من قبل احدى صديقاتي علي انه شخص ملتزم دينيا وخلقيا وفي فترة قصيرة جدا تزوجنا .

ومن اول ليلة راودني شعور غريب اتجاهه من تصرفاته وكلامه ومنعني من مشاهدة التلفاز على انه حرام وأنه بمثابة الشيطان في البيت .. وحقيقة لا اعلم ارتباطه بداعش الا بعد فوات الأوان فادركت اني تسرعت في قراري ومن هنا بدأت في كشفه من خلال قيامه باجتماعات ولقاءات سرية مع أشخاص من مختلف الجنسيات اسمع كلام ولأول مرة اسمعه عن الذبح والتصليب والاغتيال وفرض العقوبات على الأشخاص التي تخالف أوامرهم وعلى ان سرت موقع مهم يستطيعون من خلاله الاستلاء على اكبر بقعه من الأرض وتسللا الى المناطق المجاورة لها .. أصبت بصدمة من هول مااسمع؟ وماالذي يحدث؟ عدت بفكري الى ما اراه في نشرة الأخبار عن هذا التنظيم في سوريا والعراق  ،خفت على نفسي هل اهرب أو اتعامل معه كأني لم اسمع شيئا وأحافظ على حياتي منه .

وفي اليوم التالي طلبت منه ان اذهب الى منزل اهلي عدة ايام وفي رأسي ان اذهب بلا عودة فوافق على ذلك

وبعدها طلبت منه الطلاق ولم يمض على زواجنا سوى عشرة أيام وعندما شعر انني سوف اشكل خطرا عليه وافق مبدئيا وخرجت أنا وأهلي من سرت على الفور  ولا زلت أعيش تلك الصدمة الى الآن وماحدث معي كان اشبه بحلم، لقد ترك فيّ اكثر إلى الآن وأشعر انه يطاردني في كل مكان .

رصده الفريق الصحفي : عمر عجاج / أسماء سعد / حسنة علي / برنية أبو بكر
الصور من الأرشيف
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق