ألرئيسيةفنون

ذاكــرة.. الشيخ محمد أبو بكر تومية ( قنيص )

سيــرة من عطر وموسيقى ومالوف 2/2

زكريــــا محمد

كان الشيخ قد اشتد عوده وهو في قمة شبابه حين تم أسره إبأن الحرب العالمية الثانية ولمدة ثلاث سنوات وهناك تفرغ لنفسه ولتفكير بمستقبله فقد أخد يدرك إن العالم تغير وان مجاله بفن المالوف والموشحات وبعد وجود التسجيلات والاذاعات يجب أن يأخد خطوة أخرى للأمام في خط موازي للمسار القديم والذي ظل الشيخ وفيا له ،وهو ان المالوف بليبيا لو لم يكن فن الناس ، فن موالدهم أفرحهم وعود حجيجهم ولادة ابكارهم لما توصل لتلك الجودة ولا لذلك الاتقان الذي هو عليه بل ولما كان اغلب سكان طرابلس من حفظته ومنشدينه ..

كان الشيخ من ضمن نسيج أول مؤسسي الاذاعة بليبيا فبعد خروجه من الاسر وهزيمة ايطاليا الفاشية إلتحق بالاذاعة وقدم أول برامجه وكان إسبوعياً ويدور عن المالوف وبه أول تسجيلاته وذلك سنة 1949 …

لكن مع تأسيس القسم العربي المرئي بقناة الملاحة أول الخمسينات كان الشيخ من الرواد المؤسسين لهذا التلفزيون ، وهناك كون به رفقة زملائه اول فرقة ليبية معتمدة رسميا للمالوف ، ومن تلك الفرقة والى حين وافته المنية لم يتوقف شيخنا عن تأسيس عديد فرق المالوف والموشحات لادراكه الشديد وحرصه على تأصيل هذا الفن والارتقاء به ، وعلى نفس المتوازيين اللذين ذكرنا سابقا الامر الذي نجح به شيخنا أخيراً ففي آخر حياته كانت ليبيا تشارك بالمهرجانات العربية للمالوف والموشحات كضيف شرف ولاتدخل على المسابقات لحتمية حصادها لكل الجوائز لصالح فن المالوف بليبيا وتكرار هذا معنويا كان يؤثر على باقي المتسابقين.

ومع ان اغلب هذه الفرق التي أسسها شيخنا توقفت لسبب أو لآخر الا أن من اشهرها على الاقل والتي لازالت تقاوم رغم (الكساد ) العظيم و لاتزال موجودة وتناضل على الارض فرقة معهد ( جمال الدين الميلادي) ، وفرقة ( الشروق) والتي يقودها الشيخ (جارود ) ، وفرقة (قنيص) والتي تغير اسمها بعد رحيله لتسمى فرقة (ابومليانة) والتي يقودها الشيخ ( ابو عجيلة الشريف) وتلقت كل هذه الفرق الجوائز والتكريمات بكل المناسايات الخارجية التي شاركت بها

.بعد ان ترك الشيخ قنيص الاذاعة التحق بمجال التعليم 1958 وظل بهذا المجال يدرس المالوف والموشحات متنقلا بين اغلب مدارس طرابلس وظل يعيش وأسرته على دخل هذه المهنة التي استمر يزاولها حتى اخر ايام حياته ، وذلك حتى استقراره الاخير بمعهد (جمال الدين الميلادي ) للموسيقى والفنون والذي اعطاه شيخنا الكثير من علمه , مما أثر كثيرا في وقار المعهد ومكانته وهيبته بل حتى إنه اسهم في صبغه بهويته التي لازلنا نذكرها ونتحسر عليها ّ!

لعدم الاطالة توجب ان نعود لنشاط الشيخ بالزوايا فبعد هدم الوقف القديم بالزاوية وبناء مسجد (مولاي محمد ) على ارض الوقف إلتحق كل مريدي الخلوة بمسجد ( الشيخة راضية ) بشارع البي ومنهم الشيخ ( قنيص) نفسه ، ومن غير ترأسه لحلقة المولد النبوي ومدح النبي في طقوس الزاوية اليومية والتي تستمر لاكثر من اسبوعين اثناء فترة الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم ..اشتهر شيخنا ولعقود وفي ويوم طلعة الزاوية ويكون عادة في أول جمعة من افتتاح مراسم الاحتفاء بمولد الرسول الكريم بأنه كان من يقوم بتنزيل النوبة الخامسة ليوم الطلعة وهي نوبة ( المحير ) وهي نوبة المالوف(التدريجة) الاشهر بطرابلس .

وهذه النوبة حين مسيرها المهيب ترافقها النوبة والنقرة والطارات (ايقاعهن الموحد لوحده له وقع النشيد ) اما ( التثليث ) بالطار وهو الخروج عن وحدة الايقاع ثم العودة اليه ( دون ان يمس ذلك بوحدة ايقاع النوبة ) بالطار فلمي في نوبات المالوف عند غير اهل طرابلس ……..

تقول الخرافات عن ايقاع (المحير) انه ما أن تسمعه الجن حتى تنزل من عليائها لتسير في ركابه ، وهذا ليس من العلم في شي لكن توجب علينا قوله لظرافته ، وكان لهذه النوبة وقيادة الشيخ لها الاثر الكبير في كل سكان طرابلس حتى أنه كان يصل عدد متتبعيها احيانا لعشرات الالوف بل واكثر، والذين يظلون ينتظرونها حولا كاملا ، وعندما يحين موعدها عندها يكونون في الموعد ، فتراهم سائرين بركابها مرددين كل ما يلقنه لهم الشيخ بطليعة الركب الالاف خلفه يرددون طالع ( ناح الحمام ) حتى وكأن الارض تهتز تحت اقدامهم ووقع نشيدهم ، وهم بكامل زيهم الطرابلسي والكل يرافقه اطفاله، وزغاريد النساء من ستر بيوتهن وكأنهن تغاريد عصافير يحمن فوق ركب التدريجة .. اما مباخر الامهات فعلى عتبات بيوتهن عطرا ولا كل عطور الدنيا اما بخخات الزهر فيرشها ابنائهم الابكار على رؤوس الدراجة ليخففوا عليهم حرارة الصيف ولتعطيرهم بشدى الزهر شتاء فيرفع الرجال ( طواقي البسكل ) التي يرتدونها ويحنون رؤوسهم احتراما وتقديرا ..ولمن لا يعلم هي النوبة التي خاتمتها ( الف ياسلطاني …والهجراني كواني … اليف )

قدم الشيخ الكثير للمالوف في ليبيا فكم من نوبة رتبها ووضع لها طوالعها ، بل ورتب نظمّها ، ومنها ما وجدت لحنا وايقاعا فصاغ لها كلماتها والعكس صحيح وكان من تواضعه كلما يُسأل يقول ( اشياخي من فعلوا وانا اكملت على دربهم ) ومنها نوبة (دمعي جرى) و (يامحمد ) و ( ظبي سباني ) وغيرها كثير، اما الموشحات فقد نظم ورتب شيخنا منها عد الحصى كما لايعلم الكثيرون أن لشيخنا عديد الالحان والاغاني منها (صباح الخير على بلدي ) و (مبروك العيد اليوم ) كما كتب كلملت اغنية محمود كريم (رمضان شهر التوبة ) ولمن يهمه الامر يوجد عديد هذه التسجيلات الآن على متصفح (اليوتيوب )

كان شارع البي وشارع الزاوية قدر الشيخ طوال حياته فلم يغادرهما الا لماما وعادة لسفر ولمشاركة بمهرجان وبهما بنى بيته المتواضع وقد شيده بيديه وبمشاركة جيرانه ..أما وما تردد ان( صباح فخري ) زاره فيه حين طلب ذلك لكن الامر لم يكن لصباح فخري وحده فقد كان بين الحين والاخر يحدث أن يطلب زيارته بعض اهل الفن والصحفيين ويتفاجأون لتواضع الشيخ وبيته الصغير وكان يجلسهم ب(مربوعته ) امام مكتبته فهو لمن لا يعلم كان قارى نهم وكثيرا من علمه كان عصاميا في تلقيه ، أما عن صباح فخري فقد كان قد استمع للشيخ وعرفه قبل تلك الزيارة وذلك بعديد المهرجانات العربية قبلها …و بعد ذلك استمرت صحبتهما الى رحيل شيخنا ولمن لايعلم ان الملك الحسن التاني ملك المغرب اكرم وفادتهما بدعوتهما للمغرب لمناسبة للتراث الاندلسي والمالوف والموشحات وجعلهما من ضيوف قصره ومن خضهما بالكثير من وقته .

11..كان الشيخ نحويا عظيما .. وزيادة على كونه ناظم لكلمات المالولف وصاغ لنا الكثير من النوبات التي نعلمها وكاتب لقصائد الموشحات وشاعر غنائي فهو يكتب الشعر العمودي طبعا وعلى النسق القديم ..ولحبه للشعر فهو راوية كبير لمدونة الشعر العربي يكثر من إلقائه والاستشهاد به ، كما كان متمكنا من علم العروض بل ويرد البيت الشعري لبحره بمجرد سماعه وهذا حتى وفي فترات متأخرة من عمره فيقول لك بحر البيت الشعري مباشرة ولايحتاج لتشطيره كما انه كان خبيرا في علم المواريث والفرائض .

12..رغم عظيم قدره في الليبيين كان الشيخ متواضعا ويهوي المشي على قدميه لكل المشاوير داخل الحي خاصة انه لم يكن ليغيب عن أي مناسبة اجتماعية، أما حين يكون مشواره اكثر بعدا فكان يخرج دراجته لينطلق بها وفي اغلب الاحيان لمكانه القديم بالفنيدقة حيث النوالة وسوق الحرير ليزور اصدقائه وزملائه الاقدمين .

13 ـ محليا وفي اخر ايامه تم تكريمه بمنحه جائزة الدولة التقديرية للفنون والآداب كما سميت باسمه احد دورات مهرجان المالوف والموشحات قبل ان يتوقف هذا المهرجان!!!

14ـ في فترات متأخرة من عمره آخر التسعينات ولأنه كان يقوم بالاشراف على بروفات فرقة الشيخ( قنيص ) بالمبنى المجاور للمؤسسة العامة للصحافة فحين كان حين ينهي البروفة مبكرا كان يستغل ما تبقى من الوقت ليصعد لمبنى المؤسسة المقابل ، فيقوم كل من تواجد من الشباب الصحفيين بالالتفاف حول الشيخ والاستماع اليه بشغف حيث حديث ذكريات يتخلله الكثير مما يحفظه ويرويه من اشعار وايضا ما يلقيه على مسامعهم من مطالع بعض نوباته ، ولايخلو الامرمن اجابته على بحر اسئلتهم ( ولايمل الاجابة ) فقد كان متحدثا من طراز رفيع لذا وبتلك الفترة قام شباب المؤسسة بالاستفادة من زيارته هذه كثيرا فقاموا بنشر الكثير منها على شكل حورات في حينه بصحيفة الشمس .

15ــ كان الشيخ قنيص(تيحا ) فهو من رواد ومؤسسي نادي الاتحاد كما كل نخبة اهل الفن والثقافة بليبيا انذاك .. لذلك ويوم رحيله 26 مارس 2000 وبجنازة مهيبة راجلة قل مثيلها وحضرها كل عشاقه ومحبيه ومتتبعيه وانطلقت من امام مسجد مولاي محمد ( الزاوبة ) حيث كانت نشأته وطفولته وبداياته والى حيث كان ياخد بيديه والده .. كان نادي الاتحاد وفيا تجاه قامة بمكانة شيخنا فجعل من جنازته جنازة رسمية حضرتها ادارة النادي ولاعبيي الفريق انذاك ولاعبيه القدامى وأشباله وأواسطه ايضا ….

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق